الشيخ محمد الصادقي الطهراني
208
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
التراضي فمنذ التراضي وإن تراضيا لما بعد زمن فمنذ زمنه ، حيث المعيار هو صدق « تجارة عن تراض منكم » أنتم المتعاملين ، وان تراضيا على نفس المعاملة ولم يبينا أن متعلق التراضي منذ المعاملة أم منذ الآن فالظاهر أنه منذ المعاملة حيث تراضيا على المعاملة السابقة بكل قيودها ومتعلقاتها ومنها زمان وقوعها . فما لم يصدق في تجارة أنها أكل بالباطل فهي صحيحة حاضرةً أم فضوليةً ، ولا أكل في الفضولية قبل التراضي ، وليست أصل المعاملة الفضولية دون تصرف أكلًا وتصرفاً ! وقد تشير « تجارة حاضرة » أن هناك تجارة غير حاضرة حيث تعم السلم والنسيئة والفضولية ، فإنما الواجب حصول تجارة عن تراض دون إجبار ولا إكراه ، مهما تقدم التراضي أم تأخر أم هما مقارنان ، فإن في تأخر التراضي تتأخر التجارة بتأخر التراضي أو تصبح التجارة منهما بنفس التراضي ، ذلك ! اللهم إلَّا إذاً حصلت عن إكراه ثم حصل التراضي ، إذ بطلت - إذاً - التجارة بإكراه أو اضطرار ، والتراضي اللاحق لا متعلَّق له من تجارة لبطلانها ، إلا أن يتراضيا على تجارة حاضرة ، فالمعاملة الفضولية قبل التراضي قابلة لكلا الإمضاء والإبطال ، فإذا أبطل فلا يصح بإمضاء ثان . والتراضي المشروط في صحة التجارة هو واقعه إن علما بواقع السعر في العوضين لتراضيا ، دون التراضي حسب ظاهر الأمر ألَّا غبن فيها ولا عيب وما أشبه ، إذ لا يرضى عاقل بغبن أو استبدال معيب بصحيح ، فالسِلَع المعيبة والمعاملات الغبنية هي خارجة عن نطاق « تجارة عن تراض » داخلة في نطاق أكل المال بالباطل مهما اختلف باطل عن باطل ، اللهم إلّا إذا يعلم الغبن والعيب ويرضى على علمه فهو تجارة عن تراض ما لم يكن خلاف العقل . وكافة الخيارات في مختلف المعاملات مبنية على أصل التراضي والتفاصيل إلى محالها . وذكر التجارة عن تراض بين كل موارد أكل المال بالحق يشي إلى فضلها على سائر الأكل كما في حديث الرسول صلى الله عليه وآله وأئمة أهل بيته الكرام عليهم السلام . « 1 »
--> ( 1 ) . الدر المنثور 2 : 144 - أخرج الترمذي وحسنه والحاكم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله التاجر الصدوق الأمين المسلم مع الشهداء يوم القيامة ، وفيه أخرج الحاكم والبيهقي في سننه عن أبي بردة قال : سئل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أي المكسب أطيب أو أفضل ؟ قال : عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور ، وفيه أخرج سعيد بن منصور عن نعيم بن عبد الرحمن الأزدي قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : تسعة أعشار الرزق في التجارة والعشر في المواشي ، وفيه أخرج الأصبهاني عن أنس قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله التاجر الصدوق في ظل العرش يوم القيامة ، وفيه أخرج الأصبهاني عن معاذ بن جبل قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا ائتموا لم يخونوا وإذا اشتروا لم يذموا وإذا باعوا لم يمدحوا وإذا كان عليهم لم يمطلوا وإذا كان لهم لم يعسروا ، وفيه أخرج الحاكم وصححه عن رفاعة بن رافع أن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال : إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى اللَّه وبر وصدق ، وفيه أخرج أحمد والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن شبل سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول : إن التجار هم الفجار قالوا يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قد أحل اللَّه البيع ، قال : بل ولكنهم يحلفون فيأثمون ويحدثون فيكذبون ، وفيه أخرج الأصبهاني في الترغيب عن صفوان بن أمية قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله اعلم أن عون اللَّه مع صالحي التجار